banner

مجاعة مصر التي جعلت أهلها أكلي لحوم البشر

SHARE:

المستنصر بالله والشدة المستنصرية المستنصر بالله هو الخليفة الخامس من خلفاء الدولة العبيدية الفاطمية في مصر والثامن منذ نشاتها بالم...

المستنصر بالله والشدة المستنصرية


المستنصر بالله والشدة المستنصرية

المستنصر بالله هو الخليفة الخامس من خلفاء الدولة العبيدية الفاطمية في مصر والثامن منذ نشاتها بالمغرب، وأشهر أحداث عصره الشدة المستنصرية أو ما يعرف في كتب المؤرخين بـ "الشدة العظمى"، وهي مصطلح يطلق على المجاعة والخراب الذى حل بمصر لمدة سبع سنوات عجاف (457هـ - 464هـ / 1065م - 1071م).

الخليفة المستنصر بالله العبيدي
هو المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم بن العزيز بن المعز لدين الله العبيدي الفاطمي، تولى الخلافة العبيدية الفاطمية خلفًا لوالده وهو ابن سبع سنين في النصف من شعبان سنة 427هـ / 1036م، وأقام بها ستين سنة إلى 487هـ / 1094م.
وقد بلغت الخلافة العبيدية الفاطمية في عهد من القوة والاتساع والازدهار ما لم يبلغه أحد قبله، حيث امتد سلطان الخلافة ليشمل بلاد الشام وفلسطين والحجاز وصقلية وشمال إفريقيا، وتردد اسمه على المنابر في هذه البلاد، وخُطب له في بغداد لمدة عام وذلك في سنة (450هـ / 1058م).
ودام ذلك حتى تغلبت أمه على الدولة، فكانت تصطنع الوزراء وتوليهم، ومن استوحشت منه أوعزت بقتله فيقتل، مما أثار الفتن وعمت الفوضى والاضطرابات، ومنه حل الخراب على الدولة كلها إلى أن سقطت بنفو الوزراء وضياع هيبة الخليفة. وقد كان سب الصحابة فاشيا في أياما لمستنصر، والسنة غريبة مكتومة، حتى إنهم منعوا الحافظ أبا إسحاق الحبال من رواية الحديث، وهددوه فامتنع.
قال ابن خلكان رحمه الله: "جرى على أيامه ما لم يجر على أيام أحد من أهل بيته ممن تقدمه ولا تأخره"، منها: حادثة البساسيري الذي قطع الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وخطب للمستنصر ببغداد سنة 450هـ، ومنها أنه أقام في الأمر ستين سنة، وهذا أمر لم يبلغه أحد من أهل بيته ولا من خلفاء الإسلام، ومنها أنه حدث في أيام خلافته في مصر الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السلام، وهو ما يعرف بالشدة المستنصرية أو الشدة العظمى.
أحداث خلافة المستنصر
شهد أواخر عهد المستنصر (427هـ - 487هـ) عدة اضطرابات عظيمة في البلاد، منها:
1- أن الجند السودانيون يثيرون الاضطرابات في الوجه القبلي.
2- ونحوًا من أربعين ألف فارس من قبيلة لواتة والأعراب، تحت زعامة ناصر الدولة الحسين بن حمدان التغلبي (المتمرد على الخلافة العبيدية الفاطمية)، يغيرون على الوجه البحري وينهبون بلاده ويحطمون الجسور والقنوات، مما ترتب عليه انقطاع المئونة عن القاهرة والفسطاط.
3- وفى سنة 462هـ بعث ناصر الدولة إلى ألب أرسلان سلطان السلاجقة بالعراق رسولًا من قبله يسأله أن يرسل إليه عسكرًا ليقيم الدعوة العباسية بمصر على أن تؤول إليه السيادة على مصر، فرحب أرسلان بذلك، ولكنه انشغل بمحاربة الروم عن مصر.
4- وفى سنة 464هـ قطع ابن حمدان اسم المستنصر من الخطبة في الوجه البحري، وبعث إلى الخليفة القائم العباسي ببغداد يلتمس الخلع، ثم قدم إلى الفسطاط وتولي الحكم في القاهرة، وأطلق للخليفة مائة دينار كل شهر وخشي الأتراك على أنفسهم من جراء استبداد ناصر الدولة بالأمور في القاهرة، فدبروا لقتله فقتل وتتبعوا كل أفراد أسرته بمصر وتخلصوا منهم.
5- ثم تسلطت الأتراك، واستبدوا بالأمور دون المستنصر سنة 466هـ.
الشدة المستنصرية
شاءت الأقدار أن لا تقتصر معاناة البلاد على اختلال الإدارة والفوضى السياسية، فجاء نقصان منسوب مياه النيل ليضيف إلى البلاد أزمة عاتية. وتكرر هذا النقصان ليصيب البلاد بكارثة كبرى ومجاعة داهية امتدت لسبع سنوات متصلة (457هـ - 464هـ / 1065م - 1071م) [*]، وسببها ضعف الخلافة واختلال أحوال المملكة واستيلاء الأمراء على الدولة، واتصال الفتن بين العربان وقصور النيل، فزادات الغلاء وأعقبه الوباء، حتى تعطلت الأرض عن الزراعة، شمل الخوف وخيفت السبل برًا وبحرًا.
وقد تخلل تلك المجاعة أعمال السلب والنهب وعمت الفوضى، واشتدت تلك المجاعة حتى لم يجد فيها الناس شيئا يأكلوه فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا.
وذكر ابن إياس من العجائب التي لا يصدقها عقل زمن تلك المجاعة، ومنها: أن الناس أكلوا الكلاب والقطط، وكان ثمن الكلب الواحد خمسة دنانير والقط ثلاثة، وقيل كان الكلب يدخل البيت فيأكل الطفل الصغير وأبواه ينظران إليه فلا يستطيعان النهوض لدفعه عن ولدهما من شدة الجوع والضعف، ثم اشتد الأمر حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله ولا ينكر ذلك عليه أحد من الناس، وصار الناس في الطرقات إذا قوى القوى على الضعيف يذبحه ويأكله.
وذكر كذلك أن طائفة من الناس جلسوا فوق أسقف البيوت وصنعوا الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح، فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه بعظامه.
ويروي إياس أن وزير البلاد لم يكن يمتلك سوى بغل واحد يركبه، فعهد بالبغل إلى غلام ليحرسه، إلا أن الغلام من شدة جوعه كان ضعيفًا فلم يستطع أن يواجه اللصوص الذين سرقوا البغل، وعندما علم الوزير بسرقة بغله غضب غضبا شديدا، وتمكن من القبض على اللصوص، وقام بشنقهم على شجرة، وعندما استيقظ الصباح وجد عظام اللصوص فقط؛ لأن الناس من شدة جوعهم أكلوا لحومهم.
وقيل: إنه كان بمصر حارة تعرف بحارة الطبق، وهي معروفة بمدينة الفسطاط، كان فيها عشرون دارا، كل دار تساوي ألف دينار، فأبيعت كلها بطبق خبز، كل دار برغيف، فسميت من يومئذ بحارة الطبق.
وذكر ابن الأثير أنه اشتد الغلاء، حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، وباعت عروضا تساوي ألف دينار بثلاث مائة دينار، فاشترت بها شوالًا من القمح، فانتهبه الناس، فنهبت هي منه، فحصل لها ما خبز رغيفًا.
وذكر سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان أن امرأة خرجت ومعها قدر ربع جوهر من اللؤلؤ، فقالت من يأخذ مني هذا الجوهر ويعطيني عوضه قمحًا؟! فلم تجد من يأخذه منها. فقالت: إذا لم تنفعني وقت الضائقة فلا حاجة لي بك، وألقته على الأرض وانصرفت. فالعجب ان ظل اللؤلؤ مرميًا على الأرض ثلاثة أيام ولميوجد من يلتقطه!!
ويروي المقريزي أن سيدة غنية من نساء القاهرة ألمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع فلجأت إلى شكمجية حليها وأخذت تقلب ما فيها من مجوهرات ومصوغات ثم تتحسر لأنها تمتلك ثروة طائلة ولا تستطيع شراء رغيف واحد. فاختارت عقداً ثميناً من اللؤلؤ تزيد قيمته على ألف دينار، وخرجت تطوف أسواق القاهرة والفسطاط فلا تجد من يشتريه.
وأخيرًا استطاعت أن تقنع أحد التجار بشرائه مقابل كيس من الدقيق, واستأجرت بعض الحمالين لنقل الكيس إلى بيتها، ولكن لم تكد تخطو بضع خطوات حتى هاجمته جحافل الجياع، فاغتصبوا الدقيق، وعندئذ لم تجد مفرًا من أن تزاحمهم حتى اختطفت لنفسها حفنة من الدقيق وحزنت لما حدث من الجماهير الجائعة، فعكفت على عجن حفنة الدقيق وصنعت منها أقراصاً صغيرة وخبزتها ثم أخفتها فى طيات ثوبها، وانطلقت إلى الشارع صائحة: الجوع الجوع. الخبز الخبز. وألتفت حولها الرجال والنساء والأطفال وسارت معهم إلى قصر الخليفة المستنصر، ووقفت على مصطبة ثم أخرجت قرصاً من طيات ثوبها ولوحت به وهي تصيح: "أيها الناس، فلتعلموا أن هذه القرصة كلفتني ألف دينار، فادعوا معي لمولاي المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقومت عليَّ هذه القرصة بألف دينار!!".
وقُبض على رجل كان يقتل النساء والصبيان ويبيع لحومهم ويدفن رءوسهم وأطرافهم، فقُتل. واشتد الغلاء والوباء حتى أن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة واحدة، وكان يموت كل يوم على الأقل ألف نفس، ثم أرتفع العدد إلى عشرة آلاف وفي يوم مات ثماني عشرة ألفًا.
وحكى أن المستنصر أخرج جميع ما في الذخائر فباعها، ويقال إنه باع في هذا الغلاء ثمانين ألف قطعة من أنواع الجوهر المثمنة وخمسة وسبعين ألف قطعة من أنواع الديباج المذهب وعشرين ألف سيف وأحد عشر ألف دار، وافتقر الخليفة المستنصر حتى لم يبق له إلا سجادة تحته وقبقاب في رجله.
وكان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده، وكل من معه من الخواص مترجلون ليس لهم دواب يركبونها، وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع، وكان المستنصر يستعير من ابن هبة صاحب ديوان الإنشاء بغلته ليركبها صاحب مظلته، وآخر الأمر توجهت أم المستنصر وبناته إلى بغداد من فرط الجوع، وذلك في سنة 462هـ، وتفرق أهل مصر في البلاد وتشتتوا.
وكان المستنصر يتحمل نفقات تكفين عشرين ألفًا على حسابه، حتى فنى ثلث أهل مصر، وقيل إنه مات مليون وستمائة ألف نفس، ونزل الجند لزراعة الأرض بعد أن هلك الفلاحون.
وقال ابن دحية في كتاب النبراس: "وخرّبت القطائع التى لأحمد بن طولون في الشدة العظمى زمن الخليفة المستنصر العبيدى أيام القحط والغلاء المفرط الذي كان بالديار المصرية، وهلك من كان فيها من السكان، وكانت نيفا على مائة ألف دار". وخربت كذلك مدينة الفسطاط حتى كانت خرابًا.
وكان من نتيجة هذه الأزمة العاتية أن أخذت دولة المستنصر بالله في التداعي والسقوط، وخرجت كثير من البلاد عن سلطانه، فقُتل البساسيري في العراق سنة (451هـ / 1059م). وعادت بغداد إلى الخلافة العباسية، وقُطعت الخطبة للمستنصر في مكة والمدينة . وخُطب للخليفة العباسي في سنة (462هـ / 1070م)، ودخل النورمان صقلية واستولوا عليها . فخرجت عن حكم العبيديين سنة (463هـ / 1071م) بعد أن ظلت جزءًا من أملاكهم منذ أن قامت دولتهم.
وتداعى حكم المستنصر في بلاد الشام، فاستقل قاضي صور بمدينته سنة (462هـ / 1070م) وخرجت طرابلس من سلطان الفاطميين، وتتابع ضياع المدن والقلاع من أيديهم، فاستقلت حلب وبيت المقدس والرملة عن سلطانهم في سنة (463هـ / 1071م) ثم تبعتهم دمشق في العام التالي.

يقول البغدادي(دخلت سبع سنين مفترسة لأسباب الحياة ويئس الناس من زيادة النيل وتصحرت الأراضي وهلكت الماشية وهلك الحرث والنسل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد وجلا كثير إلى البلاد النائية ومزقوا كل ممزق.. وطائفة منهم يزيدون على عشرين ألفا انتقلوا إلى برقة وأعمالها فعمروها وقطنوا بها - وكانت مملكة عظيمة خربت في زمان خلفاء (مصر) على يد الوزير اليازوري ونزح عنها أهلها-..ودخل منهم خلق إلى القاهرة واشتد بهم الجوع وخطف الخبز من على رءوس الخبازين ووبئ الهواء..ووقع في الناس الموت عند نزول الشمس الحمل..وهاجرت النساء للعراق والشام وكن يبعن أنفسهن لقاء

وجبة طعام أو كسرة خبز..واضطر بعض أعيان الدولة ان يخدموا الناس لقاء كسرة من الخبز ..  كما بيعت حارة بأكملها مكونة من عشرين دارا بطبق من الطعام حتى سميت بحارة الطبق..
وأكل الناس الجيف والميتة..ثم عمدوا إلى القطط والكلاب يذبحونها ثم يأكلونها..حتى ندرت فبيع الكلب ليؤكل بخمسة دنانير والقطة بثلاثة دنانير..ثم أكلوا البعر والروث فتفشت فيهم الأمراض وكثر الموت حتى أن الماشي بالقاهرة لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميت أو من هو في السياق (يعني يحتضر) وكان يرفع من القاهرة كل يوم من الميضأة ما بين مائة إلى خمسمائة..
وأما الدور والدكاكين فقد خلا معظمها وليس لموتاها عدد يرمون ولا يوارون ثم عجزوا عن رميهم فبقوا في الدور والدكاكين..وأما الضواحي والقرى فهلك أهلها قاطبة إلا من شاء الله..والمسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار وتجد البيوت مفتحة وأهلها موتى..حدثني بذلك غير واحد وأما بيوت الخليج وزقاق البركة والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها بيت مسكون..
وقال لي بعضهم إنهم مروا ببلد ذكروا أن فيها أربعمائة نول للحياكة فوجدوها خرابا وأن الحائك في جورة حياكته ميت وأهله موتى حوله..فحضرهم قوله تعالى:
( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) سورة يس الآية (29).. 
ثم قالوا: (ثم انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه ليس به أنيسا واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزراعة فاستأجرنا من ينقل الموتى مما حولنا إلى النيل كل عشرة بدرهم..فكان جملة ما أخذه الحمال خمسمائة درهم ونيف..) 
وخبرت عن صياد بفوهة تنيس (محافظة الشرقية قديما) أنه مر به في بعض يوم أربعمائة آدمي يقذف بهم النيل إلى البحر..فحضره قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها)  سورة البقرة الآية (259)..
وأما أنا فمررت على النيل فمر بي في ساعة نحو عشرة موتى..وأما طريق الشام فصارت منزوعة ببني آدم وعادت مأدبة بلحومهم للطير والسباع .. وهذا في القاهرة..وهو مع كثرته نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر وكله نزر في جنب ما هلك بالإقاليم..
فقد سمعنا من الثقات في الإسكندرية أن الإمام صلى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة وأن تركة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا .. فكان الذي تحت قلم ديوان الحشرية من الموتى وضمته الميضأة في مدة اثنين وعشرين شهرا مائة ألف وأحد عشر ألفا إلا شيئا يسيرا..في عموم (مصر))
إذن فقد عم القحط والجدب والغلاء والوباء..وانتشرت حوادث النهب والاستلاب..بل وتخلص الخليفة والناس من مجوهراتهم وممتلكاتهم لقاء وجبة طعام أو كسرة خبز..
وأكل الناس الجيف والميتة من فرط الجوع..ثم أكلوا القطط والكلاب فلما عدموها عمدوا إلى أكل روث البهائم..فهل توقف رد فعل الناس عند هذا الحد؟..وهل رحمهم الجوع؟؟
لا والله..فقد استفحل الأمر..وكالعادة..سقط عن الناس ثوب التدين والحضارة..وحكمتهم شريعة الغاب..

وهاكم ما حدث..

يقول البغدادي(اشتد الغلاء واستفحلت المسبغة وعدمت الأقوات حتى عجز الناس عن إطعام أنفسهم فضلا عن إطعام عيالهم .. فكانوا يتخلصون منهم .. فكثيرا ما كانت المرأة تتخلص من صبيتها في الزحام فينتظرون حتى يموتوا.. وأما بيع الأحرار فشاع وذاع وعرض علي جاريتان مراهقتان بدينار واحد وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وقالت: جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم .. فعرفتها أن هذا حرام فقالت: خذها هدية.. وقد بيع خلق كثير وجلبوا إلى العراق وخراسان..  وانتهز الأثرياء الفرصة فاسترقوا الأبكار من الأحرار..وكانوا يتباهون فيما بينهم .. فمنهم من يقول إنه قنص خمسين بكرا..ومنهم من يقول سبعين..وكل ذلك بالكسر(يعني بضع وخمسين وبضع وسبعين)..)
إذن فقد استعبد الأحرار من شدة الوطء..هذا مريع..ولكن الشنيع لم يأت بعد..

يقول البغدادي: (وحكا لي من أثق به أنه اجتاز على امرأة وبين يديها ميت قد انتفخ وانفجر وهي تأكل من أفخاذه فأنكر عليها فزعمت أنه زوجها.. وأشباه هذا كثير جدا ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى فقد أخبرني تاجر مأمون حين ورد من الإسكندرية بكثرة ما عاين لها من ذلك يعني من أكل بني آدم وأنه عاين خمس أرؤس صغار مطبوخة في قدر. وهذا المقدار كاف واعتقد أني قد قصرت..)

انظروا..حتى البغدادي نفسه قد استبشع ما حدث..ولم تقو نفسه على الاستمرار في سرد الأحداث برغم كثرتها وبشاعتها فاتهم نفسه بالتقصير..وأكاد أجزم بأنه قد قرر وقتها أن هذا كاف..ولن يكمل.. لذلك نجده يستطرد - ربما بعد أن تمالك نفسه قليلا- في سرد الأحداث.. وقبل أن أنقل لكم ما كتبه أجد لزاما علي أن أطالبكم مجددا بعدم الاسترسال في القراءة..ولكم مطلق الحرية في اختياركم..
يقول البغدادي(وتزايدت الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا) .. - فكانوا في بادئ الأمر يقفون بالطرقات فيقتلوا من يظفروا به ثم يقطعوا لحمه ويأكلوه.. - وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم حبال فيها كلاليب (خطاطيف) فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه وعرف هذا الزقاق التي كانت تقوم فيه هذه العمليات بزقاق القتل وتعقبتهم الشرطة حتى تم القبض عليهم وإعدامهم بعد ذلك..
- وجاء الوزير يوما إلى الخليفة على بغلته فأكلتها العامة فشنق طائفة منهم فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم..فلما أصبح الصباح كانوا عظاما نخرة.. - ثم تعدوا إلى أكل الصغار وكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويين أو مطبوخين فيأمر الخليفة بإحراق الفاعل.. - وقبض على رجل اتهم بخطف ابن جاره وشيه ثم أكله..فاعترف بأنه اتفق مع أبي الطفل على ذلك وشاركه لحمه فأعدما.. - وقبض على رجل كان يقتل النساء والصبيان ويدفن رءوسهم وأطرافهم ويأكل لحمهم ثم يبيع الفائض..فأعدم..
- ورأيت صغيرا مشويا في قفة مع رجل وامرأة أحضرا لقصر الخليفة فقالا: نحن أبواه.. فأمر بإحراقهما..
-  وقبض على امرأة في السوق وفي يدها ساق مشوية فاقتادتها الشرطة لقصر الخليفة والناس قي السوق كل في حاله لا ينكر عليها شيئا.. - ودعا رجل جاره لمأدبة لحم..ثم خرج لبعض أمره..فاستراب الرجل من مذاق اللحم وسأل ابنة المضيف:
من أين اشترى أبوك هذا اللحم؟ فقالت ببساطة الطفولة: إنها جارتنا السمينة زينب..قد جاءت لزيارة أمي بالأمس فذبحها أبي
- ووجد بمصر رجل قد جردت عظامه وبقي قفصا.. وفشي أكل بني آدم واشتهر ووجد كثيرا..
- وحكت لي عدة نساء أنه يتوثب عليهن لاقتناص أولادهن ويحامين عليهن بجهدهن.. ولقد أحرق من النساء بمصر في أيام يسيرة ثلاثون امرأة كل منهن تقر أنها أكلت جماعة..
- ورأيت امرأة أحضرت إلى الخليفة وفي عنقها طفل مشوي فضربت أكثر من مائتي سوط على أن تقر فلم تحر جوابا بل وجدناها قد انخلعت عن الطباع البشرية ثم سجنت فماتت.. 
- وحكا لنا رجل أنه كان له صديق فدعاه ليأكل فوجد عنده فقراء قدامهم طبيخ كثير اللحم وليس معه خبز فرابه ذلك وطلب المرحاض فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدميين وباللحم الطري فارتاع وخرج هاربا..

- وقد جرى لثلاثة من الأطباء ما يلي..  أما أحدهم فإن أباه خرج فلم يرجع.. وأما الآخر فأعطته امرأة درهمين ومضى معها فلما توغلت به مضائق الطرق استراب وامتنع وشنع عليها فتركت دراهمها وانسلت..

 وأما الثالث فإن رجلا استحبه إلى بيته بحجة وجود مريضة وجعل في أثناء الطريق يتصدق بالكسر ويقول: هذا وقت اغتنام الأجر .. ثم أكثر حتى ارتاب منه الطبيب ودخل معه دارا خربة فتوقف في الدرج وفتح الرجل فخرج إليه رفيقه يقول : هل حصل صيد ينفع؟ ..  فجزع الطبيب وألقى بنفسه إلى إسطبل فقام إليه صاحب الإسطبل يسأله فأخفى قصته خوفا منه أيضا فقال له صاحب الإسطبل: قد علمت حالك فإن أهل هذا المنزل يذبحون الناس بالحيل وقد نجاك الله منهم..
- ووجدنا طفيحا عند عطار به عدة خوابئ مملوءة بلحم الآدميين في الملح فسألوه فقال: خفت دوام الجدب فيهزل الناس..
- وكان جماعة ممن اتهموا بأكل الناس قد طلبوا ليقتلوا فهربوا..فأخبرني الثقة أن الذي وجد في بيوتهم أربعمائة جمجمة..)

- وأخيرا يقول المقريزي(ودخلت سنة خمس وستين والأحوال على حالها أو في تزايد إلى زهاء نصف السنة..وتناقص موت الفقراء لقلتهم لا لانعدام السبب الموجب وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها وتناقص أكل الآدميين ثم عدم..وقل خطف الأطعمة من الأسواق لفناء الصعاليك وخفت القاهرة وصارت أطلالا وعم الخراب.. فأما الهلالية ومعظم الخليج وحارة الساسة والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها أنيس وإنما ترى مساكنهم خاوية على عروشها..وحكي لي أنه كان بمصر سبعمائة منسجا للحصر فلم يبق إلا خمسة عشر منسجا فقس على هذا أمر باقي الصناع من سائر الأصناف..)


يقول المقريزي:

(لما سمع الخليفة مقولة السيدة التي اقتضت قرصة خبز بألف دينار استدعى وزيره وعنفه وأقسم له إن لم يوفر القمح في الأسواق بأسعار معتدلة ليقطعن رقبته..فاستراع الوزير وخرج يستدعي قائد الشرطة وقال له مثلما قال الخليفة.. فخرج قائد الشرطة واستدعى تجار الغلال وأحضر ثلاثة من المسجونين المحكوم عليهم بالإعدام وألبسهم ملابس فاخرة مثل ملابس التجار وأحضرهم اجتماع التجار على أساس أنهم تجار أيضا قدموا من الشام وصاح في أحدهم قائلا:

لماذا تخفى القمح أيها الرجل الطماع والمجاعة قد أهلكت الناس أو لست تخاف الله يوم الدين؟
ثم أمر السياف بقطع رقبته أمام التجار وهكذا فعل مع الثاني والثالث فارتعدت فرائص التجار وخافوا خوفا عظيما..ثم استدعى واحدا من التجار الحقيقيين فصاحوا جميعا بصوت واحد يطلبون العفو وقالوا إنهم سيخرجون حنطتهم ويبيعونها في الأسواق بالأثمان التي يقدرها لهم وانفرج الحال قليلا ولكنه لم يدم طويلا على هذا المنوال..فقد استمر ناصر الدولة يضيق الخناق على القاهرة قاصدا خلع الخليفة والاستيلاء على الحكم.. واحتل ناصر الدولة القاهرة في نفر من رجاله ممن كانوا يتقدمون من جهة الصالحية ودخل القاهرة سنة 466 هـ – 1073م وعندما دخل رسوله قصر الخليفة المستنصر وجده جالسا على حصير بال ولم يجد عنده من قوت سوى رغيفين أعطتهما إليه إحدى المحسنات..فأشفق على حاله وارتد عنه..

ولم يمكث ناصر الدولة كثيرا مستمتعا بالنصر فسرعان ما حقد عليه صهره واسمه دكوز فأظهر الفرح باحتلال ناصر الدولة (مصر) خشية من بطشه وصالحه وظل يلاطفه حتى تمكن منه وقتله سنة 1073م فخلصت البلاد من شره..واستراح الخليفة من موت ناصر الدولة..

ثم اتصل سرا ب(بدر الجماَلي) والي عكا وكان أرمني الأصل يدين بالولاء للخليفة..وحمل الخليفة رسوله السري رسالة احتوت على ثلاثة أوامر:
القضاء على الفتنة التي دبت في الجيش..وقتل دكوز..وتولي وزارة مصر
فهاجم بدر (مصر) بجيش من أهل الشام عن طريق البحر حتى يفاجئ الجنود الأتراك بالرغم من معارضه قواد جيشه ووصل إلى ثغر دمياط وأنزل بها الجنود وسار في الدلتا ففتك بالقواد الأتراك..
وعندما دخل القاهرة سنة 1074م أخذ كبار قواد الأتراك بالحيلة فأعد لهم وليمة عظيمة وكان قد أوصى جنوده أن يبطشوا بهم ورتب لكل واحد من قواد الأتراك أميرا من أمرائه وكان أجرتهم أن يعطى لكل منهم قصر فضلا عن أملاك القواد الأتراك الذين يقتلونهم فسروا بذلك سرورا عظيما وبعد انتهاء الوليمة أخذ كل أمير قائدا تركيا ومعه ثلة من الجنود ليوصله إلى منزله فبطش كل أمير بالقائد الذي معه وقتله بالسيف بالقرب من منزله ولما أصبح الصباح كان كل أمراء بدر الجمالي يسكنون في قصور الأتراك..

وأسرع بدر إلى الخليفة المستنصر يخبره بنجاح الخطة والقضاء على خصومه ولهذا لقبه الخليفة ب(أمير الجيوش)..-وهذا لعمري يذكرني بمذبحة القلعة الشهيرة التي دبرها الوالي محمد علي باشا  ضد القواد والأمراء المماليك-.. وبقي من القواد الأتراك اثنين لم يحضرا الوليمة أحدهما توجه إلى الإسكندرية والآخر إلى دمياط وقاموا على الأهالي نهبا وسرقه وقتلا فتوجه إليهم أمير الجيوش في حملة قوية قضت عليهم وسبى نساءهم وخيولهم وعتادهم وفرق أجود نسائهم على جنوده وباع الباقي في القاهرة فباع المرأة بدينار والحصان بدينار ونصف.. 

ونما خبر قوة جيش المستنصر إلى سكان مكة فرجعوا إلى إعلان الولاء به واعترفوا به أميرا للمؤمنين وكانوا قبل ذلك قد انفصلوا وصار ولاؤهم للخليفة العباسي ببغداد..وقاموا إلى كسوة الكعبة التي أرسلها خليفة بغداد ومزقوها ووضعوا بدلا منها كسوة المستنصر..
احدى بوابات القاهرة القديمة .. يا ترى كم شهدت من افراح و اتراح
وبعد أن انتظمت البلاد ظهر غازيا جديدا من الأتراك اسمه عبد العزيز ظهر في فلسطين وكانت جيوش أمير الجيوش مشتبكة في مطاردة العبيد بالصعيد عام 1086م فانتهز عبد العزيز غياب الجمالي عن الشام واستولى عليها بدون مقاومة فدخل دمشق ثم القدس ثم طبرية واستمر يزحف حتى وصل إلى مشارف القاهرة..
ووقع بدر في ورطة لأن جيوشه كانت في الصعيد فعمد إلى الحيلة والدهاء وبدأ يظهر الود والمصالحة مع عبد العزيز وفى الوقت نفسه كان عبد العزيز لا يعرف أن الجيوش بالصعيد ودارت المناقشات بينهم حتى ارتضى عبد العزيز أن يدفع بدر إليه مبلغا من المال كتعويض عن تكاليف حملته في الشام  مقابل الخروج من (مصر)..وظل بدر يماطل في الوعد ويطيل في الرد ويختلق الأعذار وأثناء ذلك كان يحث جنوده في الصعيد على سرعه العودة إلى القاهرة لحمايتها وأخيرا وصل جنوده وفى نفس الوقت كان أعداد غفيره من حجاج المسلمين قد قدموا من أنحاء البلاد إلى القاهرة بهدف الذهاب إلى مكة فذهب إليهم بدر لاستقبالهم ووقف فيهم خطيبا وأخبرهم بالغزاة وأنه يجب عليهم الجهاد قبل الذهاب إلى الحج لأنه أوجب..وأن عليهم إنقاذ (مصر) من مطامع الغزاة وإنقاذ البلاد والذود عنها فأثر عليهم ببلاغته فانصاعوا وتحمسوا للجهاد فانتخب ثلاثة ألاف فرد منهم ووزع عليهم السلاح وأخذ يتخابر مع قبائل العرب ممن يعيشون على الحدود الشرقية وتضامنوا مع الغزاة من قبل ورغبهم في الغنائم والأسلاب والأموال فسمعوا له وأمدوه بالرجال فانتظم له جيش غفير فقادهم بنفسه وباغت بهم صفوف العدو وأبلى بلاء حسنا فهزم الغزاة وقتل منهم الألوف ففروا هاربين من أمامه تاركين أشلائهم وعشرة ألاف من الصبيان والصبايا كانوا قد سبوهم من الشام ليبيعوهم في مصر بيع الرقيق.. 

ويبدو أنه لم تكتب له الراحة..إذ تمرد عليه اثنان من العامة والتف حولهما مؤيدون وناصبوه العداء فسير عليهما حملة كبيرة بقيادة ابنه الأفضل - الذي خلفه في الوزارة بعد وفاته- فهزمهما وشتت شمل الملتفين حولهما وقطع رقبة الأول وزج بالثاني في غيابت السجن..ولما استتب له الأمر راح يصلح شئون البلاد والعباد ويخضع الخارجين من أهلها فخاف قطاع الطرق من قطع رقابهم وارتدوا عن أفعالهم وساد الأمن والسلام البلاد

ودبر بدر الأمور أحسن تدبير وأرخص الأسعار بعد طول مدة غلائها في السنين الماضية وذلك أنه نادى بإخراج الغلال وبيعها وأخذ يهجم على كل من يبلغه أن عنده غلة خزين فإذا وجد ذلك طلبه وكشف عما يكفيه وجميع عائلته من تلك الغلة مدة سنة كاملة ويأمر بالفاضل عنه فيباع ويصب في العروض فرخص السعر حتى صار سعر إردب القمح ثلاثة دنانير في القاهرة وخمسة في الإسكندرية وستة في قوص بالصعيد..وطابت نفوس الناس ومشى الحال وقويت الهيبة وارتد المفسد وأمنت الطرق وسافر التجار وورد الجالب وازداد الخراج..وعم الخير أنحاء البلاد..

كما قام بإلغاء الضرائب علي أصحاب الأراضي والمصانع والتجارة لمدة سنتين لتخفيف الأزمة..
وفي نفس الوقت بدأ النيل في الجريان نحو (مصر) وكأن هذا كان إيذانا من الله بانقشاع الغمة..
وعادت (مصر) رويدا رويدا إلي الحياة..وتحسنت الأحوال الاقتصادية..

ولم يركن بدر إلى الدعة..بل اجتهد في تحصين القاهرة.. فبنى حول القاهرة سورا جديدا لحمايتها وشيد فيه ثلاثة أبواب ضخمة هي: باب النصر وباب الفتوح وتم بناؤهما سنة (480هـ : 1087م ) وباب زويلة ( المتولي ) وتم بناؤه سنة ( 484هـ: 1091م ) وجدد الكثير من الجوامع وبنى جوامع جديدة في القاهرة والإسكندرية وجزيرة الروضة مثل مسجده الذي بناه بماله الخاص ويسمى مسجد أمير الجيوش أو (الجيوشي) كما يسميه أهل (مصر) والذي بناه على حافة جبل المقطم سنة (478 هجرية : 1085م) ويشرف الآن على قلعة صلاح الدين الأيوبي.. 

كما أسس حي الجمالية بالقاهرة الذي سمي باسمه تيمنا..ومن فرط حب الناس له كانوا يقولون عندما يلقونه متهللين:(ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)..سورة آل عمران الآية (123)
ولما رأى الخليفة أعمال بدر وحكمته وحسن تدبيره خلع عليه لقبا فأسماه (أمير الجيوش سيف الإسلام بدر الدين الجمالي)..ومكث أمير الجيوش بمصر عشرين سنة وكان سببا من الله في كشف الغمة وإغاثة الأمة.. ومات في سنة واحدة مع الخليفة المستنصر وكان ذلك ( سنة 487هـ : 1094م))



بدر الدين الجمالي والخروج من الأزمة

لم يكن أمام الخليفة المستنصر بالله للخروج من هذه الأزمة العاتية سوى الاستعانة بقوة عسكرية قادرة على فرض النظام، وإعادة الهدوء والاستقرار إلى الدولة التي مزقتها الفتن وثورات الجند، وإنهاء حالة الفوضى التي عمت البلاد، فاتصل ببدر الجمالي واليه على عكا سنة 466هـ، وطلب منه القدوم لإصلاح حال البلاد، فأجابه إلى ذلك، واشترط عليه أن لا يأتي إلا ومعه رجاله، ومن يختاره من عسكر الشام (أرمن)، ليستعيض بهم عن الجند الأتراك والمغاربة والسودانيين الموجودين بمصر.
وبدر الجمالي كان مملوكًا أرمينيًا للأمير جمال الدولة بن عمار، ثم أخذ يترقي في المناصب لما أظهره من كفاية في الحروب التي قامت ببلاد الشام، حتى ولي إمارة دمشق من قبل المستنصر سنة 456هـ، وحارب الأتراك في تلك البلاد ثم تقلد نيابة عكا سنة 460هـ.
وما إن حل بدر الجمالي بمدينة القاهرة حتى تخلص من قادة الفتنة ودعاة الثورة، وبدأ في إعادة النظام إلى القاهرة وفرض الأمن والسكينة في ربوعها، وامتدت يده إلى بقية أقاليم مصر فأعاد إليها الهدوء والاستقرار، وضرب على يد العابثين والخارجين، وبسط نفوذ الخليفة في جميع أرجاء البلاد.
وفي الوقت نفسه عمل على تنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة برفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، وأدى انتظام النظام الزراعي إلى كثرة الحبوب، وتراجع الأسعار، وكان لاستتباب الأمن دور في تنشيط حركة التجارة في مصر، وتوافد التجار عليها من كل مكان.
واتجه بدر الجمالي إلى تعمير القاهرة وإصلاح ما تهدم منها، فأعاد بناء أسوار القاهرة وبنى بها ثلاثة أبواب تعد من أروع آثار العبيديين الفاطميين الباقية إلى الآن وهي: باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة، وشيد مساجد كثيرة فبنى في القاهرة مسجده المعروف بمسجد الجيوش على قمة جبل المقطم، وبنى جامع العطارين بالإسكندرية.
واستطاع الجمالي أن يعيد نفوذ الخليفة على جميع بلاد الوجه القبلي حتى أسوان، وكذلك الوجه البحري، وبني جامع العطارين وأعاد الرخاء فزاد خراج مصر في سنة (457 –464) من 2.000.000 دينار إلى 3.100.000 دينار، وتوفي الجمالي سنة 487هـ وعهد لابنه الأفضل شاهنشاه.
ولم يكن للوزير بدر الجمالي أن يقوم بهذه الإصلاحات المالية والإدارية دون أن يكون مطلق اليد، مفوضا من الخليفة المستنصر، وقد استبد بدر الجمالي بالأمر دون الخليفة، وأصبحت الأمور كلها في قبضة الوزير القوي، الذي بدأ عصرا جديدا في تاريخ الدولة الفاطمية في مصر، تحكم فيه الوزراء أرباب السيوف.
وفاة المستنصر بالله
وظل المستنصر في عهد وزرائه كالمحجور عليه، وآلت به شدائد عظيمة، وفقد القوت فلم يقدر عليه، حتى كانت امرأة من الأشراف تتصدق عليه في كل يوم بقعب فيه فتيت، فلا يأكل سواه مرة في كل يوم، وظل كذلك إلى أن توفي في 18من ذي الحجة سنة 487هـ، ومع وفاة المستنصر بدأ العصر العبيدي (الفاطمي) الثاني حيث زادت سلطة الوزراء، وهو ما اصطلح عليه بعصر نفوذ الوزراء.


وهكذا انتهت أصعب أزمة واجهت (مصر) على مر العصور بفضل الله..
وأعتقد أنني قد استوفيتها حقها..واستوفيت المستنصر بالله حقه..فهو برأيي لا يستحق أن تصب فوق رأسه اللعنات..فقد رأيناه متدينا..رحيما..زاهدا في الدنيا ومتاعها الزائل..ولكن حسن الظن أورده المهالك كما أسلفت.. رأيناه في البداية يود ألا يكون بينه وبين شعبه حجاب..ففتح باب قصره للمظالم..فاستغله الخبثاء من الحاشية وذوي المطامع.. ثم رأيناه يشارك شعبه الصبر على الملمات والجوع..وينفق كل ثروته على تكفين الموتى ومساعدة المحتاجين حتى فنيت تلك الثروة..حتى إذا دخل عليه رسول ناصر الدولة ورأى حاله أشفق عليه وانصرف عنه.. وحتى عاش على الصدقات..وقد كان بإمكانه جمع ثروته والهرب بها إلى المغرب حيث مركز الدولة الفاطمية قديما أيام جده المعز.. بل إن المقريزي يقول واصفا رد فعل المستنصر إبان تمرد الجيش وانقسامه بين الأتراك والعبيد: (ولم يكن الخليفة يبطش بأحد من الثائرين فطمع فيه الأتراك.. ورأى الخليفة نفسه بلا نفوذ يذكر حتى في قصره وعلى خدمه وحاشيته لنفوذ أمه القوي في داخل القصر وخارجه فكانت الحاكم الفعلي للبلاد فحدثته نفسه أن يتنازل عن هذا الملك الأسمى والتخلص من صلف أمه وعنادها وتدخلها وذهب إلى الفسطاط ليقضى بقية حياته في الزهد في جامع عمرو ولكن والدته لم توافق فردته بعد مصالحته بأن أعطت له بعض النفوذ داخل القصر فقط)
وإن كان لي أن أدلي بدلوي فيما سبق فسأقول: لقد خرجت من كل ما سبق بحقيقة مفادها أن طبع المصريين متأصل منذ الأجداد..ويتمثل هذا في نقطتين: 
أولاهما الخوف من الغد..وهذه لعمري نقيصة وبلية
وثانيتهما التسامح الديني وطيبة أهلها فالكل مصريين بغض النظر عن الديانة..وهذه لعمري ميزة وفضيلة تميزت بها (مصر) طيلة تاريخها المديد دونما سائر الأمصار..وهاكم بعض الشواهد:
1-يقول ساويرس بن المقفع(وفي سنة 133هـ في ولاية أبي عون أول عصر العباسيين لم يصل النيل إلى حد الوفاء فصلى الناس صلاة الاستسقاء وخرج في ذلك المسلمون واليهود والنصارى من أهل الفسطاط والجيزة)
2- يقول المقريزي(لم تحدث في حياة أحمد بن طولون أزمات اقتصادية على الإطلاق إلا أن مرضه الأخير أحدث اضطرابا في مصر إذ تخوف الناس من احتمالات ما بعد وفاته خصوصا وأن ولي عهده خمارويه كان لا يزال حينئذ صغير السن أخضر العود قليل التجربة فاضطربت مصر لمرض ابن طولون وخرج الناس قاطبة إلى الصحاري وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستسقاء فخرج الناس حفاة وعلى رؤوسهم المصاحف وخرج اليهود وعلى رؤوسهم التوراة وخرج النصارى وعلى رؤوسهم الأناجيل وخرج الأطفال من المكاتب (الكتاتيب) وعلى رؤوسهم الألواح وخرج العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء)
3-يقول الأنطاكي(وتميزت مصر طيلة تاريخها بالحرية الدينية..فلما حكمها الفاطميون وكان مذهبهم التشيع بقي معظم أهل مصر على مذهبهم السني وخاصة في الإسكندرية..وعاشوا في سلام رغم اختلاف المذاهب..بل إن أهل الذمة من اليهود والنصارى قد وصلوا إلى أرفع المناصب في عهد الفاطميين..فكان منهم الوزراء كيعقوب بن كلس اليهودي وزير المعز لدين الله وأبي المنجا اليهودي محتسب النيل في عهد المستعلي بالله الفاطمي ووزيره الأفضل بن بدر الجمالي.. حتى إن شاعرا من الشعراء المعاصرين يسمى ابن البواب نظم في ذلك أبياتا قال فيها
يهــود هــذا الزمــان قـد بلغـوا  ** غايـــة آمــالهم وقــد ملكــوا 
العـــز فيهــم والمــال عنــدهم  ** ومنهـــم المستشـــار والملـــك

كما كان كانت علاقة المعز بالبطرك إبرام علاقة طيبة وكان ساويرس بن المقفع من أصدقاء إبرام البطرك وأكبر علماء الكنيسة في ذات الوقت فكان كثيرا ما يتردد على ديوان الملك وكان المعز يدعوه للمناظرة مع أئمة المسلمين واليهود في حضوره..)
4- يقول المقريزي(وفي خلافة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي فشت الأمراض وكثر الموت في الناس في سنة 415هـ وانشغل الناس بما هم فيه من وباء عن الاحتفال بليلة الميلاد)
5- وأختم المقال بتلك الواقعة الطريفة..يقول الأنطاكي(اتفق أن ساويرس كان جالسا في ديوان المعز إذ عبر أمامهم كلب حراسة وكان يوم جمعة وكان أئمة المسلمين واليهود حضورا فقال له المعز بابتسامة ساخرة:
ماذا تقول يا ساويرس في هذا الكلب هو نصراني أو مسلم ؟  
فقال له : اسأله فهو يجيبك عن نفسه
فتظاهر المعز بالغضب وقال :وهل الكلب يتكلم ؟ إنما نريدك أنت أن تقول لنا..
قال : نعم يجب أن نجرب هذا الكلب وذلك أن اليوم يوم جمعة والنصارى يصوموه ولا يأكلوا فيه لحم فإذا أفطروا عشية يشربون النبيذ والمسلمين لا يصوموه ولا يشربوا فيه النبيذ ويأكلوا فيه اللحم فضعوا أمامه لحم ونبيذ فإن أكل اللحم فهو مسلم وإن لم يأكله وشرب النبيذ فهو نصراني.. فلم يتمالك المعز نفسه من الابتسام وأمر له بصلة..)
هكذا كانت (مصر) طوال تاريخها..أزمات اقتصادية..اضطرابات ومطامع سياسية..أوبئة ومجاعات.. ومع ذلك تجدها دوما صلبة..تظل واقفة أمام الزمان لا تنحني..تمد يد العون للجميع..حتى في أحلك وأقسى الظروف.. تحافظ على تراثها وتسعى لبناء مجدها..وتفتح ذراعيها للجميع فتجود عليهم بخيرها.. هي التي ذكرت في القرآن خمس مرات ودخولها سلام ... وهى التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أحاديثه حيث قال: (ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم ذمة و رحما)
وقوله (إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض   
قال أبو بكر: لم يا رسول الله؟ 
قال لأنهم و أزواجهم في رباط إلى يوم القيامة).
هذه هي (مصر)

ولك الله يا ( مصر )


المصادر:
- المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1418هـ.
- المقريزي: إغاثة الأمة بكشف الغمة، تحقيق: كرم حلمي فرحات، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، مصر، ط 1، 1427هـ - 2007م.
- ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر.
- ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة الأولى للجزء الخامس 1994م.
- الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق : مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة : الثالثة 1405هـ / 1985م.
- ابن إياس: المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور، كتاب الشعب، مطبعة الشعب 1960م.
- ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1997م.
- كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لابن إياس- دار الشروق للطباعة والنشر- مصر- كتاب (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر) لعبد اللطيف البغدادي- مكتبة موقع كابوس- كتاب (البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام) لابن الصيرفي- دار الشروق للطباعة والنشر- مصر

COMMENTS

اخبار ميت غمر

شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل "ميت غمر" .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر "ميت غمر دقهلية"، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي "ميت غمر الدقهلية" الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ. مع تحيات اسرة موقع ميت غمر - Mit3'mr الإخباري لتغطية "اخبار ميت غمر" الدقهلية, اخبار ميت غمر, اخبار ميت غمر اليوم, حوادث ميت غمر اليوم. 


تم نقل هذا الخبر, والمصدر هو المسؤل عن صحة هذا الخبر , اذا كان لديك اى استفسار او طعن فى هذا الخبر, برجاء مراسلتنا, "ميت غمر" - Mit3'mr  "ميت غمر الدقهلية" محرك بحث اخبارى "#ميت_غمر" و يخلي مسئوليته الكاملة عن محتوي الخبر او الصور, وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر كما يتحمل الناشر الاصلى حقوق النشر و وحقوق الملكية الفكرية للخبر "ميت غمر". تم نقل هذا الخبر اوتوماتيكيا وليس عن طريق احد محرري الموقع من مصدره الاصلي, وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم, وفي حالة امتلاكك للخبر وتريد حذفة او تكذيبة يرجي الرجوع الي المصدر الاصلي للخبر اولا ثم مراسلتنا لحذف الخبر، ونحن نرحب باي اتصال بخصوص الاخبار المنشورة تبعنا, لاننا موقع محايد ونرحب بكل الاراء. ويقدم موقع "ميت غمر | Mit3'mr" الإخباري، خدمة لاستقبال شكاوى القراء والعمل على حلها مع المسئولين من خلال رقم الواتس آب 01110177023.

الاسم

100 قصة وقصة من حياة النبي,26,57357,1,آثار ميت غمر,13,اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ,1,اتميده,1,أثاث و ديكورات,21,أجهزة كهربائية ومنزلية,4,أحد أشهر المؤرخين المعاصرين,1,احمد زويل,1,أحمد عيسي المعصراوي,1,أخبار عالمية,25,اخبار عالمية,1,أخبار ميت غمر,1164,اخبار ميت غمر,897,اخبار ميت غمر، اخبار عاجلة، قرية دماص، قرية بهيدة، ميت غمر,2,اخبار ميت غمر، ميت غمر,1,اختفاء,1,إدارة الوقت,1,ادارة كهرباء ميت غمر,1,ادارة مرور ميت غمر,1,ادارة ميت غمر التعليمية,1,أدوية بيطرية,1,اذربيجان,1,ازدراء الأديان,1,استخراج جواز السفر,1,اسطوانات تعليمية,14,إسلامي,99,اسواق ميت غمر,1,أشغال يدوية,4,اطفال,2,اعارات,1,اعارة,1,اعارة الازهر,1,اعارة المعلمين,1,اعطي الأجير حقه قبل أن يجف عرقه,1,اعلان وظائف,9,أغاني أطفال,1,إفشاء أسرار الزوجية,1,أفلام,46,أفلام كارتون,16,أكاديمية الشرطة,1,الادارة التعليمية بميت غمر,1,الإدارة الزراعية بميت غمر,1,الإدارة الصحية بميت غمر,1,الادارة الصحية بميت غمر,1,الإدارة العامة للمعلومات والتوثيق,1,الأرز,1,الارز الصيني,1,الاستغفار,2,الإسكان الاجتماعي,1,الإسلام,17,الاطفال الصغار,1,الإقامة السياحية في تركيا,1,الاقامة في تركيا,1,ﺍﻻ‌ﻟﺒﺎﻧﻲ,1,الأنفلات الأمنى والفوضى,1,الانقاذ النهرى بالدقهلية,1,الأهلي,1,الأهلي وأتلتيكو مدريد,1,الأوراق المطلوبة لاستخراج جواز السفر المصري,1,الأوقاف,1,الباعه الجائلين,1,ألبان,1,البث المباشر,49,البث المباشر لقناة,2,البحث الجنائى,1,البر التانى,1,البر التاني,1,البطاطس,1,التجار,1,التسجيلات القرآنية,1,التعليم,2,الثقه بالله,1,الجرائم الالكترونية,1,الجريدة الرسمية,1,الجزيرة الوثائقية,1,الجن,1,الحج 2018,1,الحزب الوطني,1,الحكم الدولي,1,الحكومة الالكترونية,1,الحماية المدنية,1,الحياة اليوم,1,الدجاج,1,الدقهلية,4,الدواجن,1,الدوره الشهرية,1,الربح من الانترنت,4,الرزق,1,الرعد,1,الركن الروحاني,56,الرياح التوفيقى,1,الرياح التوفيقي,1,الزقازيق,2,الزواج,1,السجل المدنى,1,السكة الحديد,1,السكك الحديدية,1,السلخانة,1,السنطة,1,السيرة الذاتية,2,الشحات محمد أنور,1,الشكاوى,1,الشيخ محمد متولي الشعراوي,1,الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية,1,الصلاة,1,الطب البديل,34,العاب,1,العمل في اذربيجان,1,العمل في تركيا,1,العنوسة,1,الفائزين بقرعة الإشراف على الحج,1,الفراعنه,1,الفرعون,1,الفطيم,1,القافلة الطبية,1,القرآن الكريم,18,القصر الثقافي,132,القصص القرآني,13,القوافل الطبية التابعة للأزهر الشريف,1,القيم والآداب الإسلامية للصغار,2,الكابتن جهاد جريشة,1,الكلاب الضالة,1,الكلية الحربية,1,اللبن الرائب,1,اللبن الرايب,1,اللحوم والأسماك الفاسدة,1,اللواء نبيل ابو النجا,1,المخابرات المصرية,1,المخدرات,1,المدارس اليابانية,1,المدرسة الإعدادية,1,المدرسة الفكرية,1,المرأة,2,المراكز الإدارية,1,المركز التكنولوجي,1,المستشفى الجامعى بالمنصورة,1,المسطحات المائية,1,المصحف المرتل,1,المصريون القدماء,1,المطبخ,16,اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ,1,الملازم أول/ إبتسمات محمد عبد الله كريمة,1,المنح الدراسية,1,المنصورة,1,المنصورة الجديدة,1,المنطقة الاستثمارية بمدينة ميت غمر,1,المنطقة الصناعية بجمصة,1,المهندس محمد كمال اسماعيل,1,النادى الرياضى,5,النادي الرياضي,42,النايل سات,1,النقد الأجنبي,1,النيابة الإدارية,1,الهجرة,1,الهجرة بطرق غير شرعية,1,الهمة العالية,1,الهند,1,الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة,1,الوحدة المحلية,1,اليهود,1,اليوم المفتوح للتوظيف,1,أم المؤمنين,1,ام بي سي,1,امتحانات الثانوية,1,أمن دوله,1,أندرويد,8,اندرويد,1,انفلونزا الطيور,1,أوقاف الدقهلية,1,أول متطوعة في الجيش المصري,1,أولادنا,84,إيان ليوبولد,1,باتا المحطة ميت غمر,1,برامج,3,برامج انتي فيروس,1,بشالوش,1,بشلا,3,بطاقة الرقم القومي,1,بلعام بن باعوراء,1,بنزينة الشريف,1,بنك فيصل الاسلامى,1,بنها,1,بنين,1,بهيده,1,بوابة الشكاوي الحكومية,1,بيع المصنوعات بميت غمر,1,تأخر سن الزواج,1,تاريخ ميت غمر,91,تأشيرة,2,تأشيرة الامارات للمصريين,1,تامول,1,تأهيل لسوق العمل,77,تجارة المخدرات,1,تحميل نموذج السيرة الذاتية,1,تحويل ورد الي pdf,1,ترامادول,1,تربية الدواجن,1,ترعة ثانونه,1,ترعة زغلولة,1,تساهيل,1,تسريع الالعاب,1,تسريع الكمبيوتر,1,تشخيص أعطال السيارات وإصلاحها,1,تصاريح العمل,1,تطبيقات,3,تطبيقات اندرويد,3,تفهنا,2,تفهنا الأشراف,4,تقلبات هرمونية,1,تمثال أثرى,1,تنمية بشرية,42,تهديد الأهالى بالسلاح,1,تيم فيور,1,ثورة شكندح,1,جامعة الازهر,1,جامعة المنصورة,1,جامعة ملبورن,1,جبن فاسدة,1,جداول امتحانات المرحلة الاعدادية,1,جدول امتحانات,2,جدول امتحانات 2018,1,جدول امتحانات المرحلة الإبتدائية,1,جدول امتحانات وزارة التربية والتعليم,1,جمال الدين عطية,1,جمعية تحسين الصحة,1,جمعية كنوز الخير,1,جمهورية القهوة,1,جهاز العروسة,4,جوازات ميت غمر,1,حارة اليهود,1,حارس خاص,1,حالة تعد,1,حديقة العائلات,1,حرم النيل,1,حريق,2,حريمي,28,حزب,1,حصة الخبز,1,حضانات ومدارس,2,حقوق المرأة,1,خالد عجاج,1,خبار عاجلة،,1,خدمات,2,خديجة بنت خويلد,1,خطف الاطفال,1,دار دَوِّن للنشر والتوزيع,1,دار ضيافة مرضي السرطان,1,دار فرست للنشر والتوزيع,1,درجة الماجستير في ألمانيا,2,دقادوس,12,دقيق بلدى مدعم,1,دليل السفر والسنكحة,23,دليل ميت غمر,23,دماص,2,دنديط,5,دورات تدريبية,94,ديربي ميت غمر,1,رئيس الوزراء,1,رئيس مركز ومدينة,1,رئيس وحدة محلية,1,رخصة القياده الدولية,1,ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ,1,رفعت للمقاولات الهندسيه والمعماريه,1,روسيا,1,زفتى,3,زفتي,1,زنيب الغزالي,1,زي افلام,1,ساندي,1,سحر هاشمي,1,سرقة,1,ﺳﻔﻴﺮ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ,1,سكربت,8,سميو مقام,1,سنتماي,2,سندبسط,1,سيارات الإطفاء,1,شارع البحر,1,شارع الصاغة,1,شارع بنت ايوب,1,شارع مكة,1,شاهد البث المباشر,1,شبابنا,458,شخصيات غمراوية,5,شركات الادوية فى مصر وظائف خالية,1,شركات سياحة بميت غمر,2,شركة اباتشى للبترول,1,شركة اديداس,1,شركة الدقهلية للدواجن,1,شركة الكهربا,1,شركة بادكو,1,شركة بافاريا,1,شركة جهينه,1,شركة دار الهندسة,1,شركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء,1,شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالدقهلية,1,شركة ميت غمر للغزل,1,شكاوى وبلاغات المواطنين,1,شهادة أمان,1,شونة حديد,1,شيرين رضا,1,صحفي,1,صراع بين الخير والشر,1,صلاح عطية,1,صلاح عيسى,1,صلاح عيسي,1,صلاح نصر,1,صمم توسعة الحرمين الشريفين,1,صهرجت الكبرى,6,صوت الرعد,1,صيدلية,1,صيدناوى ميت غمر,1,ضابط شرطة,1,طب الاطفال,7,طريق جمجرة,1,طريق ميت غمر- أجا,1,طفلك,1,طلب التأشيرة,1,طوارئ,1,عائلة الزفتاوى,1,ﻋﺎﺻﻢ ﺑﻦ ﺛﺎﺑﺖ,1,عبد المجيد نافع,1,عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ,1,عريان يوسف سعد,1,عزيزة محمد الأفغانية,1,عصابات خطف الاطفال,1,عصابة,1,عظماء القانون,1,عمر أفندي,1,عمر افندى بميت غمر,2,عمرة الفتيس الاتوماتيك,1,عمرة المحرك,1,عنوان نادى السيارات,1,غسيل كلوي,1,فتاة قاصر,1,فراخ مجمدة,1,فروع مكتب تساهيل في مصر,1,فن,3,فوائد اللبن الرايب,1,فوتوشوب,2,فول وطعميه,1,فيزا,1,فيزا اذربيجان للمصريين,1,فيزا الامارات,1,فيزا تركيا,3,فيزا تركيا للمصريين,3,فيس بوك,8,قاعة أفراح,1,قاعة افراح,1,قبر السيدة خديجة بنت خويلد,1,قرى ميت غمر,19,قري ميت غمر,11,قرية,2,قرية أتميدة,1,قرية البوها,1,قرية بشلا,2,قرية بهيدة,1,قرية دنديط,3,قرية سنتماى,1,قرية سنتماي,3,قرية كفر الشراقوه,1,قرية كفر النصر,1,قرية كوم النور,1,قرية ميت يعيش,1,قسم التعقيم,1,قش الارز,1,قش الرز,1,قصة التاجر وحبة العنب,1,قصر ثقافة نعمان عاشور,1,قصر ثقافة نعمان عاشور بميت غمر,1,قصرثقافة نعمان عاشور,1,قصص,13,قصص نجاح,70,قطعة ارض سكنية,1,قناة اون اي,1,قنوات تليفزيونية,50,قنوات هندية,2,قوافل طبية,1,قوالب ورد بريس,2,كازيون ميت غمر,1,كاشير,1,كتب,1,كتب تلوين,23,كتب تلوين للأطفال,1,كراسنودار,1,كفر الشيخ,1,كفر المقدام,1,كفر سرنجا,3,كفر شكر,1,كفر ميت العز,1,كليات الجامعة الالمانية,1,كلية الحقوق,1,كلية الدراسات الإنسانية,1,كليه الإعلام,1,كمبيوتر,47,كندا,1,كنيسة مارجرجس بميت غمر,1,كورس من شركة هيواندي,1,كورسات تنمية بشرية,59,كوم النور,7,كيف أختار زوجة المستقبل,1,كيف اختار زوجتي,2,كيف تختار الزوجة الصالحة,1,كيف تختار زوجتك,1,لجنة,1,لعب اطفال,1,مئذنة مسجد الغمراوي بميت غمر,1,ماركت,4,ماس كهربائى,1,مؤسس أول مجموعة قتالية بالفرقة 999,1,مؤسسه العنانى للتنمية‎,1,ماكينة,1,مباحث التموين,1,مبادرة,1,مبادرة صوتك مسموع,1,مباراة الاهلي واتلتيكو,1,مبالغ مالية,1,مبت غمر,1,مجالسة الصالحين,1,مجدي مهنا,1,مجلس المدينة,2,مجلس مدينة ميت غمر,2,مجلس مركز ومدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية,1,مجموعة شركات ومصانع العربى,1,مجموعة كتب Tom Denton,1,محافظ الدقهلية,2,محافظ الدقهليه,1,محافظ القليوبية,1,محافظة الدقهلية,1,محطة معالجة المياه,1,محل أدوات منزلية,1,محلات شنط وأحذية,4,محمد عبد الله عنان,1,محمد كمال عبد الحليم,1,محمود أحمد الحفني,1,مدارس ميت غمر,2,مدرسة التجارة بنات بميت غمر,1,مدرسة التربيه الفكريه,1,مدرسة جيهان السادات بميت غمر,1,مدرسة ميت غمر للتعليم الاساسي‎,1,مدير الإداره التعليميه,1,مديرية التضامن الاجتماعي,1,مدينة ميت غمر,1,مراكز لإعداد محفظى القرآن,1,مركز الاورام بميت غمر,1,مركز الشرطة,1,مركز شباب ميت غمر,1,مركز شرطة ميت غمر,4,مركز طب الأسرة,1,مركز طب الأسرة بكوم النور,1,مركز ومدينة ميت غمر,3,مزرعة دواجن,1,مسابقة,1,مسابقة مديرية التربية والتعليم,1,مستريح ميت غمر,1,مستشفى الصفوة,1,مستشفى كلى ومسالك مركز ميت غمر,1,مستشفى ميت غمر,7,مستشفي ميت غمر,2,مستشفى ميت غمر القديم,1,مستشفى ميت غمر القديم المهجور,2,مستقبل وطن,1,مسجد,1,مسجد الروضة ميت غمر,1,مشاريع افترإفكت,2,مشاهير تربوا فى ملاجئ,1,مشاهير ميت غمر,25,مشتشفى ميت غمر,1,مشروع جمعيتي,1,مشروعات صغيرة,22,مشغل,1,مصالح حكومية,12,مصانع - ورش - شركات,2,مصر للسياحة ميت غمر,1,مصطفى مدبولي,1,مصمم جرافيك,1,مصنع المواسير,1,مصنع ميت غمر,3,مطور اندرويد,1,مطور برامج,1,مطور ويب,1,معاون مباحث ميت غمر,1,معرض القاهرة الدولي للكتاب,1,معرض الكتاب,1,مفاتيح الرزق,1,مقابر دقادوس,1,مكامير الفحم,1,مكتب البريد,1,مكتب التامينات الاجتماعية بميت غمر,1,مكتب الشهر العقارى,1,مكتب العمل,1,مكتب بريد دقادوس,1,مكتب بريد ميت غمر,1,مكتب تصاريح العمل بميت غمر,1,منح,6,منح دراسات عليا ممولة بالكامل,2,منح دراسية,20,منح دراسية 2018,8,منحة فودافون,1,منظومة الفرامل الهوائية,1,مهاجم ميت غمر,1,مواد دراسية,22,مواقع توظيف في اذربيجان,1,مواقف ضحك,9,موظفين صرافة,1,مول,4,مياه الشرب والصرف,1,مياه الصرف الصحي,1,ميت العز,3,ميت الفرماوى,1,ميت القرشى,1,ميت غمر,1595,ميت غمر 24,6,ميت غمر الان,19,ميت غمر الدقهلية,12,ميت غمر اليوم,9,ميت غمر دقهلية,10,ميت غمر زمان,2,ميت غمر شارع التجارة,1,ميت غمر،,2,ميت غمر، اخبار ميت غمر,4,ميت غمر، اخبار ميت غمر، كوبرى زفتي، الكوبرى الفرنساوى,1,ميت غمر، كفر المقدام,1,ميت محسن,1,ميت ناجى,1,ميت يعيش,1,ميدان فاطمة الزهراء,1,نائب البرلمان,1,نادى السيارات الدولى بالقاهرة,1,نادى المحامين بميت غمر,1,نادى المعلمين بميت غمر,1,نادى المهندسين بميت غمر,1,نادى ميت غمر الرياضى,1,نادى ميت غمر الرياضي,2,نادي نقابة المعلمين,1,ناشيونال جيوغرافيك,1,نستله ووتر,1,نصائح تربوية,2,نعمان عاشور,1,نقاط تموينيه,1,نموذج السيرة الذاتية,1,نوادي,3,نوادي بميت غمر,3,نوادى رياضيه,2,نوادى ميت غمر,1,ﻧﻴﻮﺩﻟﻬﻲ,1,هتك عرض,1,هجرة,1,همت مصطفي,1,هنجملها,1,هنداوي للنشر,1,والد المغنية رتيبة الحفني,1,وحدة الغسيل الكلوي,1,وحدة الكلى بمستشفى ميت غمر,1,وحدة غسيل كلوي بكوم النور,1,وزارات وهيئات حكومية,11,وزارة الاسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية,1,وزارة الداخلية,2,وزارة الري,1,وزارة الزراعة,1,وزارة الكهرباء والطاقة,1,وزارة المالية,1,وزير التربية والتعليم,1,وزير التموين والتجارة الداخلية,1,وظائف,45,وظائف الجامعة الالمانية,1,وظائف القوي العاملة,1,وظائف المعهد القومى للمعايرة,1,وظائف النشرة القومية للتشغيل,1,وظائف اليوم,7,وظائف اهرام الجمعة,3,وظائف بترول,1,وظائف بنك مصر,1,وظائف حديثي التخرج,6,وظائف خالية,392,وظائف خريجين كليات التجارة,1,وظائف شركة,1,وظائف شيف,1,وظائف صيادلة,1,وظائف صيدليات العزبى,1,وظائف كازيون,1,وظائف للصيادله في مصانع الادويه,1,وظائف مبيعات,1,وظائف مترو ماركت,1,وظائف مجلس الدولة,1,وظائف محاسبين,2,وظائف محاسبين حديثى التخرج,2,وظائف هيئة الطاقة النووية,1,وفد من ولاية New Brunswick,1,وكيل وزارة الشباب والرياضة,1,وكيل وزارة الصحة,1,ويسترن يونيون,1,يحيي الفخراني,1,يوسف علام,1,adidas,1,Advanced CV Analysis,1,aljazeera doc,1,Apk,2,Azerbaijan,1,B4U Live,1,BAVARIA,1,Bootable,1,CCleaner,1,CV Checker,1,Dawen Publishers,1,dvlottery,1,Elserafy,1,Engineer,1,ESMT Berlin,1,FiLMiC Pro,1,Free Online CV Review & Evaluation,1,FUN,60,Graphics Card,1,Green Card,1,Group Policy,1,Happy New Year 2018,2,Hide these specified drives in My Computer,1,Hindawi Publishing,1,Ian Leopold,1,internship,1,mbc,1,MBC 2,1,Mit Ghamr,2,National Geographic,1,New Brunswick,1,NFS Rivals,1,Nitro Pro,1,Nitro Pro Enterprise,1,NVIDIA,1,ON E,1,Otlob,1,pcunlocker,1,Razer Game Boost,1,Salah Ateya,1,SHAREit,1,TeamViewer,1,wake up Project,44,Windows Password Reset,1,Youssef Allam Group,1,zee aflam,2,Zee Alwan,1,zee cinema,1,
rtl
item
ميت غمر: مجاعة مصر التي جعلت أهلها أكلي لحوم البشر
مجاعة مصر التي جعلت أهلها أكلي لحوم البشر
http://4.bp.blogspot.com/-_Tb5UXTbDGY/VM67Hx7UCkI/AAAAAAAAB1E/zjx-1SD1WQg/s1600/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B5%D8%B1%2B%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%2B%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AF%D8%A9%2B%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9.jpg
http://4.bp.blogspot.com/-_Tb5UXTbDGY/VM67Hx7UCkI/AAAAAAAAB1E/zjx-1SD1WQg/s72-c/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B5%D8%B1%2B%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%2B%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AF%D8%A9%2B%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9.jpg
ميت غمر
http://www.mit3mr.com/2015/02/blog-post_2.html
http://www.mit3mr.com/
http://www.mit3mr.com/
http://www.mit3mr.com/2015/02/blog-post_2.html
true
8528734411394006890
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU ركن الأرشيف بحث جميع المواضيع لا يوجد موضوع مشابه لطلبك Back Home الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس إبريل مايو يونيو يوليو أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr مايو Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago بالأمس $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM لو سمحت قم بالمشاركة ليظهر لك الروابط Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy